مجموعة مؤلفين
218
إرشاد ذوي العقول إلى براءة الصوفية من الاتحاد والحلول
على أعيان الممكنات أنها غير استعداداتها . فإذا علمت فقد علمت معنى الجمع وجمع الجمع ، ووجود الكثرة في الوحدة ، وألحقت الأمور بأصولها وميزت بين الحقائق ، وأعطيت كل شيء حكمه أعطى الحق كل شيء خلقه ، فإن لم تفهم الجمع كما ذكرناه فما عندك خبر منه . وأما إشارات الطائفة التي سردناها فإن لهم في ذلك مقاصد أذكرها إن شاء اللّه تعالى مع معرفتهم بما ذهبنا إليه ، أو معرفة الأكابر منهم . وأما قول من قال منهم : إن الجمع حق بلا خلق ، فهو ما ذهبنا إليه أن الحق عين الوجود ، غير أنه ما تعرض لما أعطته استعدادات أعيان الممكنات في وجود الحق حتى اتصف بما اتصف به . وأما قول الدّقاق في الجمع : إنه ما سلب عنك ؛ فإنه يقتضي مقامه أن يريد سلب ما وقعت فيه الدعوى منك ، وهو له ، كالتخلق بالأسماء الحسنى ، ونسبة الأفعال إليك وهي له ، هذا يعطيه حال الدقاق لا الكلام ، فإنه لو قال غيره هذه الكلمة ربما قالها على أنه يريد بقوله : « ما سلب عنك عين الوجود » فإنه الذي سلب عنك ؛ إذ كان عين وجود الحق هو الحق . وأما قول الآخر : إن الجمع ما أشهدك الحق من فعله بك حقيقة ، فإنه يريد أنك محل لجريان أفعاله ، والأمر في الحقيقة بالعكس ، بل هو المنعوت بحكم آثار استعدادات أعيان الممكنات فيه ، إلا أن يريد بقوله : « من فعله بك » أي : بك ظهر الفعل ، ولم يتعرض لذكر فيمن ظهر الأثر ، فقد يمكن أن يريد ذلك وهو ما ذهبنا إليه وما تعطيه الحقائق ، فلو علمنا من هو صاحب هذا القول حكمنا عليه بحاله كما حكمنا على الدّقاق لمعرفتنا بمقامه .